صوت الحق : أكد جلالة الملك عبدالله الثاني أن العلاقات الأردنية الصينية شهدت خلال السنوات الماضية تطوراً ملحوظاً، لتتجاوز إطار العلاقات الدبلوماسية التقليدية نحو شراكة أوسع تشمل التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية والتبادل الثقافي.
وقال جلالته، في مقابلة مع وكالة أنباء شينخوا الصينية، إن العلاقة الراسخة بين الأردن والصين تشكل أساساً متيناً للمضي قدماً في الأولويات المشتركة، وتعزيز الابتكار وتحقيق المزيد من الازدهار للشعبين.
وأشار الملك إلى أن الموقع الاستراتيجي للأردن وموارده البشرية الشابة والماهرة، إلى جانب القوة الاقتصادية للصين وخبرتها التكنولوجية وحضورها العالمي، توفر فرصاً استثنائية لتوسيع نطاق التعاون بين البلدين.
ولفت إلى أن زيارته المرتقبة إلى الصين تتزامن مع مرور أكثر من عقد على تأسيس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين عام 2015، فيما تحل في عام 2027 الذكرى الخمسون لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الأردن والصين.
وأوضح أن التعاون بين البلدين شهد تقدماً مطرداً رغم التحديات الإقليمية والدولية، مبيناً أن آلاف الأردنيين في القطاعين العام والخاص استفادوا، خلال الفترة بين عامي 2015 و2025، من برامج التدريب والمنح الدراسية التي قدمتها الحكومة الصينية.
وأضاف أن التعاون التعليمي توسع ليشمل مختلف المراحل، من التعليم المدرسي وتدريب المعلمين والمشرفين وتعليم اللغة الصينية، وصولاً إلى التعليم العالي.
وفي المجال الاقتصادي، أكد الملك أن الاستثمارات الصينية في قطاع الطاقة أسهمت بصورة كبيرة في تعزيز الاكتفاء الذاتي للأردن وتنفيذ استراتيجية تنويع مصادر الطاقة.
كما أشار إلى الشراكة الاستثمارية في قطاع التعدين، والتي تمثلت باستملاك المؤسسة الصينية للتنمية والاستثمار حصة تبلغ 28 بالمئة من شركة البوتاس العربية، بقيمة 502 مليون دولار.
وأكد جلالته تطلع الأردن إلى توسيع التعاون مع الصين ليشمل الطاقة الخضراء والابتكار العلمي والسياحة والطيران المدني، إلى جانب مواصلة تعميق الشراكة في مجال التنمية.
التحديث الاقتصادي والتحول الرقمي
وحول رؤية التحديث الاقتصادي، قال الملك إن الأردن يواصل تنفيذ هذه الرؤية، التي تمتد حتى عام 2033، وتركز على تحقيق الازدهار وتحسين جودة الحياة وتعزيز النمو الشمولي والمستدام من خلال الشراكات الاستراتيجية، رغم عقود من عدم الاستقرار التي شهدتها المنطقة.
وأكد أن وجود قطاع عام كفؤ يعتمد على القدرات الرقمية يمثل متطلباً أساسياً لتعزيز التنافسية الاقتصادية وجذب الاستثمارات، مشيراً إلى أن الأردن حقق تقدماً كبيراً في رقمنة الخدمات الحكومية، وأن دمج الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة يمثل إحدى الأولويات الرئيسية لتبسيط الإجراءات.
وأشار إلى أن موقع الأردن يؤهله ليكون مركزاً إقليمياً للتصنيع والتصدير، لافتاً إلى إمكانية استفادة الاستثمارات الصناعية الصينية من الموارد الطبيعية الأردنية، والقوى العاملة الماهرة، وبيئة الأعمال المستقرة، والموقع الاستراتيجي، وشبكة اتفاقيات التجارة الحرة.
وفي مجال الطاقة، أوضح الملك أن الاستدامة تمثل إحدى الركائز الثلاث لرؤية التحديث الاقتصادي، مشيراً إلى ارتفاع حصة الطاقة المتجددة من إجمالي الطاقة المولدة في الأردن من أقل من 1 بالمئة قبل عشر سنوات إلى نحو 27 بالمئة حالياً، مع استهداف الوصول إلى 40 بالمئة بحلول عام 2035.
وأضاف أن الأردن يعمل على دعم البنية التحتية للطاقة المتجددة، بما في ذلك مشاريع لتوليد الطاقة المتجددة وتخزينها بطاقة إجمالية تقارب غيغاواط واحد، وبفرص استثمارية تتجاوز قيمتها مليار دولار.
كما أكد أهمية تعزيز النمو السياحي المستدام، ليس فقط من خلال زيادة أعداد الزوار، وإنما أيضاً عبر تنويع الأسواق السياحية، وتشجيع الإقامة لفترات أطول، وتحسين الربط الجوي، وضمان استفادة المجتمعات المحلية من القطاع السياحي.
وأعرب عن تطلع الأردن إلى تعزيز الربط الجوي مع الصين، باعتبارها من أهم الشركاء والأسواق المستهدفة للسياحة، إلى جانب تعزيز التعاون في مجال التصوير السينمائي وصناعة الأفلام الصينية، مستفيداً من مواقع التصوير والقدرات الإنتاجية التي يمتلكها الأردن.
الملك: القضية الفلسطينية ستظل القضية المحورية في المنطقة
وفيما يتعلق بالتطورات الإقليمية والقضية الفلسطينية، أكد الملك عبدالله الثاني أن الأردن يواصل العمل على تشجيع التنسيق والتعاون من أجل تحقيق السلام، مع الحفاظ على ثوابته ومبادئه.
وقال إن القضية الفلسطينية ستظل القضية المحورية في المنطقة، محذراً من أن عدم معالجتها سيبقي المنطقة عرضة لموجات متكررة من العنف، قد تتسع تداعياتها إلى ما هو أبعد من حدودها.
وأشار جلالته إلى ما يواجهه الفلسطينيون من تصاعد لهجمات المستوطنين، والتوسع في المستوطنات، والاستيلاء على الأراضي ومصادرتها، وهدم المنازل، إلى جانب الانتهاكات والمضايقات في الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس.
وشدد على ضرورة احترام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، مؤكداً أن جهود الأردن تركز على تحقيق التهدئة في المنطقة، والقيام بدوره في إطار الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والعمل على إنهاء الإجراءات أحادية الجانب التي تعيق تحقيق السلام.
وأكد الملك أن الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية يجب أن يفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة وذات سيادة على خطوط عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، تعيش إلى جانب إسرائيل بأمن وسلام.
وأعرب عن تطلع الأردن إلى التنسيق مع الصين، باعتبارها صوتاً مؤثراً وشريكاً رئيسياً على الساحة الدولية، للمساهمة في الدفع نحو تحقيق حل الدولتين.
كما أكد استمرار الجهود الإنسانية الأردنية في قطاع غزة، معرباً عن تقديره للمساهمات الصينية في جهود الإغاثة.
الملك: دول الجنوب العالمي تكتسب دوراً متزايداً
وحول دور دول الجنوب العالمي في النظام الدولي، أكد الملك أن هذه الدول تكتسب أهمية متزايدة في القضايا الاقتصادية والأمنية العالمية وفي تعزيز التنمية المستدامة.
وأشار إلى أهمية تطوير نظام عالمي يقوم على أسس ثابتة ومتوافقة مع القانون الدولي والتعاون متعدد الأطراف، معرباً عن تقديره لدعوات الصين إلى إقامة نظام عالمي أكثر عدالة، وتطلعه إلى تعزيز التعاون بين البلدين في دعم العمل الدولي واحترام القانون الدولي.
وقال إن الأزمات التي يشهدها العالم تؤكد مدى الترابط بين الدول وأهمية توفير بيئة مناسبة للعمل المشترك والحوار، داعياً إلى تعزيز التعاون بين المنطقة العربية والصين لبناء مزيد من القدرة على مواجهة الأزمات.
وأكد أن الصين، بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، تضطلع بدور مهم في دعم السلام والأمن الدوليين، مشيراً في الوقت ذاته إلى تنامي العلاقات الصينية العربية خلال السنوات الأخيرة.
ولفت الملك إلى أن الأردن لطالما عمل على تعزيز الترابط الإقليمي والتعاون والعلاقات المتينة، واعتمد سياسة خارجية قائمة على الحوار والتفاعل البناء، مؤكداً أن الالتزام بالقانون الدولي والحلول السلمية للخلافات أسهم في بناء شراكات موثوقة وتعزيز الحوار.
الملك: المنفعة المشتركة أساس نجاح التعاون الصيني العربي
وفي حديثه عن العلاقات الصينية العربية، أكد الملك عبدالله الثاني أن مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول العربية يعكس قوة علاقة صمدت أمام الأزمات والتغيرات الإقليمية.
وقال إن استمرار هذه العلاقة جاء نتيجة للتفاعل العملي المستمر والحرص على إيجاد نقاط الالتقاء وتحقيق المصالح المشتركة، معتبراً أن مبدأ المنفعة المشتركة يمثل أساس نجاح نموذج التعاون الصيني العربي.
وأشار إلى أن هذا النهج مكّن الجانبين من تحقيق نتائج ملموسة وبناء شراكات استراتيجية قائمة على الثقة، مؤكداً وجود إمكانات كبيرة غير مستغلة يمكن البناء عليها لتعزيز التعاون إقليمياً ودولياً.
ووصف الملك الصين بأنها مركز ثقل عالمي في المجالين الاقتصادي والسياسي، مشيراً إلى أنها أصبحت نموذجاً دولياً ومصدراً للإلهام في التنمية والتطوير الاقتصادي.
وأعرب عن أمله في أن تشهد المرحلة المقبلة تعاوناً أقرب بين الأردن والصين، مؤكداً اهتمام الدول العربية بالاستفادة من التجربة الصينية، إلى جانب التطلع إلى تعزيز العلاقات بين الشعبين وبناء صداقات دائمة وتفاهم مشترك بين البلدين

