صوت الحق : -
د. نعيم الملكاوي - كاتب وباحث سياسي
ليست أخطر العبارات التي تُقال في وجوه الناس تلك التي تحمل تهديداً مباشراً، بل تلك التي تختصر التهديد كله في جملة واحدة:
«إنت ما بتعرف ابن مين أنا؟»
هذه العبارة التي يعرفها المجتمع الأردني جيداً ليست مجرد استعراض للقوة، ولا نزوة لسان تصدر عن شاب فقد أعصابه؛ إنها، في بعض الحالات، تعبير عن خلل أعمق في الوعي الاجتماعي، حين يعتقد الإنسان أن قيمة الآخرين أقل من قيمة الاسم الذي يحمله، وأن القانون الذي يحمي الجميع يمكن أن يتراجع أمام نفوذ عائلته أو مكانة أقاربه.
وحين يقول أحدهم هذه العبارة، فهو لا يعرّف بنفسه، بل يعلن أنه لا يثق بقدرته على مواجهة الآخرين بحقّه، وإنما يستند إلى قوة يعتقد أنها ستمنحه امتيازاً فوق القانون.
المشكلة ليست في أن يكون المسؤول صاحب نفوذ، بل في أن يتحول نفوذه إلى امتياز غير معلن لأبنائه وأقاربه، وأن يشعر هؤلاء بأن المنصب الذي يشغله قريبهم يمنحهم حصانة لا يتمتع بها سائر المواطنين.
من هنا تبدأ الحكاية؛ حين يتجرأ شخص على مواطن مسالم في الشارع، أو يعتدي على طبيب يؤدي واجبه، أو يهين ممرضاً في مستشفى، أو يتجاوز على موظف عام، أو يحوّل خلافاً عابراً في مطعم أو مركز تجاري إلى استعراض للقوة والسطوة.
قد تختلف الوقائع والأشخاص والظروف، لكن السؤال الذي يفرض نفسه في كل مرة هو: هل كان هؤلاء سيتصرفون بالجرأة نفسها لو لم يشعروا أن وراءهم من يحميهم، أو أن اسم العائلة وموقع قريبهم قادران على تعطيل عواقب أفعالهم؟
لسنا أمام إدانة لأبناء المسؤولين جميعاً، فالأبناء لا يُحاسبون على مناصب آبائهم، كما أن كثيراً منهم يرفضون استغلال تلك المناصب. ولسنا أمام اتهام لكل صاحب سلطة أو نفوذ. إنما نحن أمام ظاهرة يجب أن تُواجَه حيثما ظهرت، وأمام عقلية خطيرة ترى في القرابة من السلطة رخصة للتجاوز، وفي النفوذ وسيلة لفرض الإرادة على الآخرين.
فالمنصب العام ليس إرثاً عائلياً، والسلطة ليست ملكية خاصة، والنفوذ ليس وكالة مفتوحة لإذلال الناس.
الأخطر من الاعتداء نفسه أن يشعر الضحية بأن الشكوى لن تنصفه، وأن المعتدي قد يكون أقوى من حقه، وأن كرامته يمكن أن تُستباح لأن الطرف الآخر يحمل اسماً كبيراً أو يستند إلى مركز مؤثر.
عندها لا تقع الإساءة على الضحية وحده، بل تتجاوزها إلى هيبة الدولة نفسها؛ لأن الدولة القوية لا تُقاس بقدرتها على فرض النظام على المواطن الضعيف فحسب، وإنما بقدرتها على إخضاع صاحب النفوذ للقانون بالصرامة ذاتها.
وحين يرى الناس أن القانون سريع على الضعيف، ومتردد أمام القوي، فإن الثقة بالعدالة تتآكل، ويتحول النفوذ في الوعي العام من مسؤولية تستوجب الاحترام إلى مصدر للخوف، ومن قيمة يفترض أن تخدم المجتمع إلى امتياز يُستخدم ضده.
وهنا تكمن المشكلة البنيوية: ليست في سلوك فرد منفلت فحسب، بل في أي بيئة تسمح له بالاعتقاد أن بإمكانه الإفلات من المحاسبة، وفي أي ثقافة اجتماعية تبرر له تجاوزه لأنه «ابن فلان»، وفي أي مؤسسة تتردد في إنفاذ القانون خشية الاسم أو الموقع أو الهاتف الذي قد يأتي من خلفه.
إن احترام المسؤول لا يكون بمنح أقاربه امتيازات، بل بحمايتهم من الغرور الذي قد يصنعه المنصب، وتذكيرهم بأن مكانة العائلة لا ترتفع بإذلال الآخرين، وأن قيمة الأب أو الأخ أو القريب لا تُقاس بمدى قدرته على تخليص أبنائه من عواقب أفعالهم، بل بقدرته على ترسيخ احترام القانون في نفوسهم.
وليس المطلوب أن تتحول المسألة إلى خصومة مع العائلات أو حملة على أصحاب المواقع العامة، بل إلى موقف وطني واضح: لا حصانة اجتماعية خارج القانون، ولا امتياز عائلي على حساب كرامة المواطنين، ولا يجوز أن يصبح المنصب الذي مُنح لخدمة الناس سبباً في ترهيبهم.
إن الأردن، الذي يقوم على سيادة القانون واحترام مؤسساته، لا تليق به ثقافة تجعل المواطن يتردد قبل المطالبة بحقه، ولا مجتمعاً يشعر فيه الطبيب أو الممرض أو الموظف العام أو المواطن العادي أن المعتدي قد يكون أقوى من العدالة.
نريد مجتمعاً يسأل فيه المعتدي نفسه:
ماذا يقول القانون عن فعلي؟ لا أن يسأل المواطن: هل تعرف من يقف خلفي؟
نريد أن يصبح السؤال عن الفعل لا عن الفاعل، وعن الحق لا عن النسب او النفوذ ، وعن المسؤولية لا عن المحسوبية .
ففي الدولة التي تحترم نفسها، لا يهم ابن مَن أنت، ولا أخو مَن تكون، ولا أي منصب يشغله قريبك؛ ما يهم هو ماذا فعلت، وهل خالفت القانون، وهل ستخضع للمساءلة؟
لأن أخطر ما يمكن أن يصيب دولة ليس أن يرفع أحدهم صوته في وجه مواطن، بل أن يعتقد أن اسم أبيه أعلى من القانون، وأن نفوذ قريبه أقوى من الدولة، وأن كرامة الناس قابلة للمساومة.
عندها لا نكون أمام فرد يتباهى بأصله ونسبه، بل أمام ثقافة تستحق المواجهة؛ ثقافة تختزل المواطنة في الأسماء، والعدالة في العلاقات، والحقوق في موازين القوة.
ولذلك، فإن الرد الحقيقي على عبارة «إنت ما بتعرف ابن مين أنا؟» يجب أن يكون واضحاً، بالفعل قبل القول:
نعرف أنك مواطن، ونعرف أن لك حقوقاً، لكننا نعرف أيضاً أن عليك واجبات، وأنك لست فوق القانون، وأن الدولة التي تحترم مواطنيها لا تسمح لأحد بأن يستمد من منصب غيره سلطة على رقاب الناس.
فالأوطان لا تضعف حين يغيب أصحاب النفوذ عن المشهد، بل حين يحضر نفوذهم في حياة الناس أكثر مما تحضر العدالة.

