صوت الحق الاخباري
5 دقائق قراءة

فرض هيبة الدولة بتفكيك البيئات الحاضنة للتطرف حماية سيادية لأرواح الأردنيين

التحكم بالخط:

صوت الحق : -

تقتضي المصلحة الوطنية العليا في هذا التوقيت الفارق التعامل بعمق وحزم مع الرسائل السيادية الحاسمة التي صدرت عن اجتماع مجلس الأمن القومي برئاسة جلالة الملك، حيث شكل التوجيه الملكي الصارم برفض أي تساهل يمس أرواح المواطنين الأردنيين قاعدة ارتكاز أساسية لفرض سيادة القانون وهيبة الدولة، إذ إن حماية أمن المجتمع الأردني وسلامة أبنائه تتطلب الانتقال الفوري من أطر المواجهة التقليدية إلى بناء استراتيجيات شاملة ومحكمة تضمن ردع الخوارج وكل من تحول أفكاره التكفيرية إلى أدوات إجرامية تستهدف الاستقرار والوئام الوطني، وفي هذا السياق المباشر يبرز التوجيه الداعي لمراجعة سياسات مكافحة التطرف وتجفيف منابعه كضرورة ملحة لبناء مسار عملي يعزز الجاهزية الاستباقية ويغلق كل ثغرة يمكن أن يستغلها أصحاب الفكر الضلالي.

وبناءً على هذه الرؤية الملكية السامية، يتطلب المسار الردعي الميداني المأمول الذهاب نحو تطوير متقدم لبعض مراكز الإصلاح والتأهيل القائمة، وذلك من خلال تخصيص أقسام مشددة ومجهزة بأعلى مستويات الرقابة والعزل الفكري والأمني لعناصر الإرهاب والتكفير، حيث إن الفلسفة المنشودة من هذا التطوير لا تقف عند حدود العزل الجسدي لمنع تسرب الفكر الظلامي إلى المجتمع، بل ترتكز على إيجاد آليات تقييم دقيقة وشديدة الصرامة تشرف عليها لجان أمنية وفكرية متخصصة لا تعتمد على الإظهار الشكلي للتراجعات، وإنما تقيس قناعات النزيل ومدى زوال خطره بعمق قبل إعادة منحه أي امتيازات أو تخفيف في إجراءات احتجازه، مما يضمن حماية المجتمع من عودة التهديد ويؤسس لبيئة عقابية صارمة تتوازن فيها الحماية الأمنية المباشرة مع الحذر المنهجي الشديد في التعامل مع خطورة الأيديولوجيا التكفيرية.

ولكي تترجم هذه الرؤية لتطوير مراكز الإصلاح والتأهيل إلى واقع عملي يوازن بين الحزم الأمني وحماية الأطر القانونية، يستوجب الأمر اعتماد مقاربة متكاملة تجمع بين التعديل التشريعي والضبط التشغيلي؛ فمن الناحية التشريعية يتطلب الأمر إدخال تعديلات محددة على قانون مراكز الإصلاح والتأهيل والمشاريع التنفيذية التابعة له بحيث تضاف مادة خاصة تنظم التعامل مع المحكومين بقضايا الإرهاب والفكر التكفيري لتحدد بوضوح مفهوم الأقسام العزليّة المخصصة وإجراءات الرقابة المشددة عليها مع ربط منح الامتيازات أو الانتقال إلى البرامج التأهيلية المفتوحة بتقارير الفحص الميداني والفكري المعمق، وهو ما يضمن سريان التعديلات تحت سيادة القضاء وسيادة القانون وينفي عنها صفة الاستثنائية العشوائية.

وامتداداً لهذا التحرّك التشريعي، فإن تطبيق النظام على الصعيد التشغيلي يتطلب تأسيس لجنة تقييم فكرية وأمنية مشتركة تضم ممثلين عن الأجهزة الأمنية ودائرة الإفتاء ووزارة الأوقاف وخبراء في السلوك والنفس لتتولى إعداد معايير قياس دقيقة وموضوعية لتقييم المراجعات الفكرية ومدى القناعة بالتحول عن الفكر الضلالي دون الاعتماد على الإقرارات الشكلية، فضلاً عن اعتماد تقنيات رقابية حديثة داخل هذه الأقسام وتدريب كوادر مخصصة من إدارة المراكز للتعامل مع هذا النوع من النزلاء وفق أعلى مستويات الاحترافية والحذر بما يضمن فصلهم المادي والفكري التام عن باقي النزلاء ومنع أي تسريب إعلامي أو تنظيمي للخارج، وهو ما يتسق تماماً مع الدستور الأردني والمواثيق الوطنية حيث يظل المحكوم تحت مظلة الرعاية الصحية والاحتجاز القانوني المباشر بينما تتركز الصرامة على آليات المتابعة والقياس والاشتراطات الفكرية بما يحفظ أمن الوطن ويصون هيبة الدولة في مواجهة آفة الإرهاب.

وفي موازاة هذا المسار العقابي المنظم، يمتد الاستحقاق الوطني ليحتم خوض مواجهة شاملة مع خطاب الكراهية والترويج الفكري الداعم للإرهاب تماشياً مع التوجيهات القاضية بملاحقة ومحاسبة كل من يؤيد أو يبرر هذه الأفعال بقوة القانون، إذ إن المحاسبة القانونية الحاسمة لمن يستغلون المنصات والمنابر لإشاعة الفتنة أو التجييش ضد أمن الوطن تمثل الحصن الأول للوحدة الوطنية عبر تجفيف البيئات الحاضنة للتطرف بالشفافية وإطلاع المواطنين على الحقائق أولاً بأول وتفنيد الشائعات التي تستهدف النسيج المجتمعي، وهو ما يتكامل فيه العمل الإعلامي والقانوني مع دور المؤسسات والمرجعيات الدينية لتفكيك المقولات الضالة ودحضها لجعل تحصين العقول جدار الصد الأكثر صلابة في وجه المحاولات الإجرامية.

واتصالاً بهذه الاستجابة المنهجية الشاملة، تتطلب عملية تفكيك الخطاب التكفيري إعلامياً ودينياً خطوات عملية وميدانية ترتكز على تجفيف المنابع الفكرية وردع كل من يبرر للجريمة أو يسهم في نشر الفتنة، حيث يقع العبء الأكبر على الصعيد الديني على عاتق وزارة الأوقاف ودائرة الإفتاء والمؤسسات الأكاديمية الإسلامية لتطوير الخطاب الوعظي والدعوي والانتقال من أسلوب المواعظ التقليدية العامة إلى مواجهة أفكار الخوارج وتفكيك مقولاتهم الحاكمة بالدليل الشرعي المحكم وإبراز المقاصد الشرعية العليا في حفظ النفس والأمن والوئام، إلى جانب إعداد وتأهيل الأئمة والوعاظ عبر برامج متخصصة لرفع قدراتهم في رصد المظاهر الأولى للتطرف الفكري بين الشباب وتزويدهم بالرسائل الفكرية الحاسمة التي تدحض المبادئ التكفيرية والشرعية المزيفة التي تعتمد عليها تلك الجماعات.

وعلى الجانب الإعلامي المكمل للدور الديني، تستوجب المواجهة بناء استراتيجية اتصال استباقية وسريعة تلتزم بالشفافية وإطلاع دقيق ومتلاحق للمواطنين بالحقائق لمنع انتشار الشائعات والمعلومات المضللة، يترافق معها تفعيل الملاحقة القانونية الصارمة لكل من يمارس خطاب الكراهية أو يبرر للأعمال الإرهابية عبر شبكات التواصل الاجتماعي واعتبار ذلك شائبة أمنية ومشاركة جنائية مباشرة، فضلاً عن إنتاج محتوى إعلامي وفكري موجه بلغة عصرية يفهمها جيل الشباب يكشف زيف الوعود التكفيرية ويعزز مبادئ المواطنة وسيادة القانون وتماسك النسيج الوطني الأردني، بحيث ينصهر الجهدان الديني والإعلامي في قالب واحد يركز على سحب المشروعية الأخلاقية والشرعية عن أدبيات التكفير وتحصين المجتمع عبر جدار فكري وإعلامي يضمن ألا تجد هذه الأفكار الهدامة أي موطئ قدم أو بيئة حاضنة في الأردن.

وتكتمل هذه المنظومة الشاملة من خلال توزيع دقيق للمسؤوليات بين المؤسسات الرسمية والأهلية لتنفيذ السياسات الوقائية وتأمين المجتمع الأردني لبناء شبكة حماية أمنية وفكرية واجتماعية متكاملة، حيث تتولى المؤسسات الرسمية القيادة والتخطيط والتنفيذ الملزم من خلال تطوير وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية والبيئة الجامعية لتنمية التفكير النقدي وتحصين الطلبة ضد الأيديولوجيات المغلقة، وتحمل وزارة الشباب مسؤولية إعادة توجيه الطاقات الشبابية نحو المشاركة المدنية المحافظة والابتكار وتوفير مساحات آمنة تمنع استقطابهم عبر الفضاء الرقمي، مع استمرار الأجهزة الأمنية والقضائية في تطبيق سيادة القانون بحزم ومراقبة النشاطات المشبوهة وضبط الخطابات التحريضية بكل حيادية وصرامة قانونية.

وترسيخاً للشبكة الوقائية الوطنية، تضطلع المؤسسات الأهلية والمجتمع المدني بدور الجسر الميداني الأكثر قرباً من الأفراد والشرائح المجتمعية من خلال بروز دور المجالس المحلية والجمعيات الخيرية والأهلية في رصد التحديات الأولية ومعالجة معضلات التهميش أو العزلة قبل تحولها إلى بيئات حاضنة للتطرف، فضلاً عن تحمل الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والهيئات الثقافية مسؤولية إشاعة ثقافة الحوار والديمقراطية وترسيخ مفهوم المواطنة الأردنية الهاشمية وتدريب قادتها على كشف السلوكيات الراديكالية للتدخل المبكر بالتنسيق مع الجهات المعنية، مما يضمن بالتكامل المؤسسي بين القطاعين الرسمي والأهلي الانتقال بالوقاية من ردود الفعل العفوية إلى استراتيجية استباقية مستدامة تحمي الأجيال الصاعدة وتصون الاستقرار الوطني.

ولكل ما سبق، يظل الأردن بحكمة قيادته ووعي أبناء شعبه قادراً على تجاوز كافة التحديات الأمنية عبر ترسيخ نهج الاستباق والردع بكل حزم وقوة، إذ إن الأفعال الجبانة التي تحاول العبث بالسلم الأردني لن تزيد الدولة إلا تمسكاً بثوابتها نحو فرض العدالة وتطوير المنظومات الأمنية والفكرية بما يصون الأرواح ويحفظ الاستقرار الأبدي.