صوت الحق الاخباري

الانتماء الواعي : بين ذاكرة الأرض وصوت النقد

28 سبتمبر 2025 - 02:56 م
شارك:

د. نعيم الملكاوي / كاتب وباحث سياسي

 

في زمن تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه الولاءات ويفقد البعض بوصلته ، يصبح الحديث عن الانتماء أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى . ليس الانتماء مجرد شعار يُرفع أو قصيدة تُتلى في محافل الرياء ، بل هو جوهر يتشكل من الذاكرة والهوية ، ويتجدد عبر المسؤولية ، ويتفاعل مع تحديات العولمة و الأخطار .

الوطن ليس حكومة ، ولا مسؤولاً عابراً ، ولا وجهاً بقناع على كرسي متحرك ، الوطن هو الأرض والدم والتاريخ ، هو الذاكرة التي نحملها في صدورنا جيلاً بعد جيل .

الحكومات تأتي وتذهب ، تتبدل وجوهها وسياساتها ، لكن الوطن يبقى ، صامداً لا يتبدل .

الانتماء كهوية ؛

ليس مجرد بطاقة شخصية أو علم نرفعه ، بل هو وعي بالذات الجمعية ، وإدراك أننا جزء من نسيج ممتد عبر التاريخ والتفاف حول قيادة . حين يضعف هذا الوعي ، يتحول الوطن إلى فندق مؤقت ؛ وحين يقوى ، يصبح بيتاً كبيراً منيعاً لا يُغادر ولا يغيب ظلّه .

الانتماء كمسؤولية ؛

الوطن لا يُختزل في شعارات ، أغنيات أو هُتافاً تصدح به الحناجر ، بل يترجم في سلوك يومي يحمي المال العام ، يصون العدالة ، ويواجه الفساد . اما النقد فهو ليس خيانة ولا استدارة خلف الوطن ، بل هو ذروة الانتماء وتاج الولاء ، لأنه محاولة لإنقاذ السفينة لا الهروب منها . أما المصفقون والمهلهلون لكل حركة خطأ كانت ام صواب ، فهم يزينون العيب ، ويغلفون الفشل ، ويتركون الجدار الوطني يتآكل بصمت .

الانتماء كقيمة في زمن العولمة والاختناق ؛

في عالم تتلاعب به العولمة وتغريه الغربة ، يصبح الانتماء امتحاناً عسيراً :

هل نذوب في تيار الاغتراب ، أم نتمسك بجذورنا كذاكرة وهوية ورسالة ؟

هنا يظهر البُعد الرمزي للانتماء : أن نصون الوطن كحقيقة في الصدر ، لا كوظيفة في الجيب .

المصيبة تبدأ حين يظن البعض أن نقد الحكومات إساءة للأردن .

إن النقد الصادق هو قمة الانتماء ، وأرقى أشكال الولاء .

أما التطبيل الأعمى ، فليس إلا ضعفاً وخوفاً وارتباطاً بمصالح آنية .

الناقد الحرّ أشجع وأقرب لوطنه من ألف موالٍ أعمى .

بينما الإعلام الذي يفقد رسالته ويتحوّل إلى بوق مدفوع ، لا يسيء لنفسه فقط ، بل يفسد صورة الوطن ويخلط بين الدفاع عن الأشخاص والدفاع عن الأرض .

وهنا الكارثة : حين يخلط المسؤول بين حماية موقعه وحماية الأردن ، يُجبر المواطن على الخلط ذاته .
وحين يُستخدم خطاب الوطن ستاراً لتغطية الفشل ، يفقد الخطاب الرسمي قوته وقدسيته وبالتالي تتلاشى مصداقيته .

لذلك ، واجبنا اليوم أن نزرع في نفوسنا وأبناءنا وأجيالنا ثقافة الانتماء الواعي :

انتماء يرى الوطن سامياً فوق الأشخاص وفوق الحكومات ، انتماء يقدّس الأرض والهوية ، انتماء لا يخاف من النقد ولا يساوم أمام الفساد ، انتماء يبني وطناً أقوى ، أعدل ، وأبقى .

الأردن لا يهتز من كلمة صادقة ، بل يقوى بها ، ولا يُضعفه النقد ، بل ينهض به .

الأردن يستحق أن نحبه بوعي صادق ونلتف حول قيادته ، لا أن نمدحه بنفاق .
صوت الحق الاخباري

الأخبار العاجلة

كن الأول في معرفة أخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط و الاحكام
و سياسة الخصوصية.
+962

أخبار ذات صلة