عجز الإصلاح يواجه غضب الشارع الأردني
صوت الحق -
بقلم: نضال الثبيتات العمرو
منذ أن استلم الدكتور جعفر حسان رئاسة الوزراء في 18 سبتمبر 2024 خلفاً لحكومة الدكتور بشر الخصاونة، مرت سبعة عشر شهراً على حكومته وسط مشهد سياسي واقتصادي معقد؛ حققت الحكومة بعض الخطوات المرتجفة في متابعة الرؤية التحديثية، وزيارات ميدانية بلغت مئات المواقع، ولكن دون لمس حقيقي واقعي لهموم المواطن، وتعديلاً وزارياً في أغسطس 2025 لتعزيز الكفاءة؛ لكن الواقع اليومي للمواطن يروي قصة مختلفة؛ نمو اقتصادي متواضع لا يتجاوز 2.8%، بطالة وفقر يتصدران استطلاعات الرأي بنسبة تقارب الخمسين بالمائة، ودين عام يضغط على الموازنة.
الشارع لا ينكر التراكمات السابقة، ولا ينكر التحديات الإقليمية الثقيلة من حرب غزة وتوترات المنطقة، لكنه يتوقع حلولاً ملموسة لا وعوداً طويلة الأمد؛ الثقة العامة تتذبذب، والصبر ينفد أمام تراكمات لم تُحل بعد.
في أحاديث الشارع اليومية، يتردد اسم التعيينات التنفيعية كشعار لعدم العدالة، حيث يرى كثيرون أن بعض المناصب تُمنح للمحسوبين لا للكفاءات؛ يضاف إلى ذلك أداء عدد من الوزراء الذي يُقيّم بأنه دون المستوى في وزارات حيوية، مع قرارات سابقة متراكمة لم تُعالج جذورها؛ أما قانون المخالفات المرورية الأخير وخصم الثلاثين بالمائة لمن يسدد خلال ستين يوماً، فيراه محدودو الدخل غير مجدٍ؛ فالغرامات الأساسية لا تزال ثقيلة على جيوب تعاني أصلاً، ولا تلامس جوهر مشكلة السلامة المرورية ولا تخفف العبء الحقيقي.
وفي الأيام الأخيرة فقط، برزت قضية زيت الزيتون كصورة حية للإحباط؛ نقص الإنتاج المحلي في موسم 2025-2026 دفع الحكومة لاستيراد عشرة آلاف طن من تونس، ولم تصل كلها، وبيعت عبوة الخمس لترات بإحدى وعشرين ديناراً في فروع المؤسسة الاستهلاكية المدنية؛ لكن ما حدث كان مشاهد مؤلمة؛ مواطنون يقفون ساعات طويلة في طوابير طويلة، تدافع وازدحام خانق، تأجيل البيع يوماً كاملاً للتنظيم، ثم نظام أرقام يسمح بعبوة واحدة فقط لكل شخص؛ 50 عبوة إلى 100 تتواجد في أفرع المؤسسة لكافة المحافظات، الآراء على وسائل التواصل والشارع كانت صريحة وقاسية؛ ذل وعار، الناس أكلت بعضها، حكومة تفشل في توفير سلعة أساسية، استغلال حاجة الناس في رمضان؛ محللون وصفوها بأنها ليست عارضاً عابراً بل انعكاساً لفشل سياسات زراعية وتخطيط وإدارة للازمة متراكمة الفشل، واعتماد مفرط على الاستيراد دون خطط استباقية؛ هذه المشاهد أثارت شعوراً عاماً بالإذلال والتهميش، وجعلت الشارع يسأل؛ أين الإصلاح الحقيقي إذا كان المواطن يتذلل ليحصل على عبوة زيت؟
ثم جاءت تعديلات قانون الضمان الاجتماعي لتكمل الصورة وتزيد الطين بله؛ رغم تعديل الحكومة للمسودة بعدم المساس بمستحقي التقاعد المبكر أو الوجوبي لأربع سنوات، وبدء التطبيق التدريجي من 2030 حتى 2047، يبقى الشارع غير راضٍ، حيث يرى كثيرون أن رفع سن التقاعد وزيادة الاشتراكات ستثقل كاهل الأجيال القادمة، وأن إحالة الموضوع للبرلمان قد تكون خطوة ذكية للإيقاع بالنواب؛ وإن كان الأمر كذلك، فهذه كارثة؛ لأن الوطن واحد، حكومة ومواطنين وسلطتين تشريعية وقضائية، و التلاعب بالمواطن أو النواب يعني أن الحكومة ليست حكومة الوطن بل حكومة البنك الدولي والمتنفذين.
الوضع العام ينذر بتوتر؛ الشارع يتوقع تعديلاً وزارياً ثانياً سريعاً يشمل وزراء تحتاج حقائبهم دماً جديداً، وإلا فالمواجهة في الشارع أصبحت احتمالاً واقعياً؛ خاصة إذا ما استغلها تنظيم الإخوان المسلمين (جبهة العمل الإسلامي) في مسألة الاسم، متنكراً بآثار قانون الضمان الاجتماعي، وهذا الأمر قد يؤدي إلى حل المجلس؛ لذا أرى أن المخرج الأسلم يكمن في تعديل دستوري وقانون انتخابي عاجل بعد التعديل الوزاري الثاني مباشرة؛ يحافظ هذا على وجود الحكومة دستورياً، ويشرّع قانون انتخاب يراعي الأحزاب ويحذر من مستقلي الإخوان واليسار، ليفتح صفحة جديدة قبل أن يتحول الغضب إلى أزمة لا تُحمد عقباها.
الأردن يستحق إصلاحاً حقيقياً يلمس حياة الناس، لا مجرد إدارة أزمات بأساليب فاشلة؛ الشارع يراقب، والوقت يضيق.






