إسلام آباد: حين تجلس الخصوم على طاولة النار

{title}
صوت الحق -

بقلم د. نعيم الملكاوي 

في لحظة تبدو أقرب إلى المفارقة التاريخية، تتحول إسلام آباد إلى مسرح لمشهد غير مألوف: الولايات المتحدة وإيران، وجهًا لوجه، لا عبر وسطاء ولا خلف الأبواب الرمادية، بل في لقاء مباشر يثقلّه تاريخ طويل من العداء منذ الثورة الإيرانية 1979.

لكن من يظن أن هذه الطاولة هي طاولة سلام، يقرأ المشهد بنصف عين فقط.

الولايات المتحدة، ممثلة بنائب رئيسها JD Vance، لم تأتِ إلى باكستان بحثاً عن مصافحة دافئة، بل هرباً من كلفة اشتعال لا يمكن السيطرة عليه. فواشنطن، التي اعتادت إدارة الصراعات عن بُعد، وجدت نفسها هذه المرة أقرب من أي وقت مضى إلى حافة مواجهة مباشرة، قد تفتح أبواب الجحيم في منطقة لا تحتمل شرارة إضافية.

في المقابل، لا تبدو طهران أقل براغماتية. حضور شخصيات من وزن محمد باقر رئيس مجلس الشورى و عباس عراقجي وزير الخارجية ليس استعراضاً سياسياً، بل إشارة واضحة: إيران مستعدة للتفاوض… ولكن بشروطها، وتحت سقف مصالحها، لا تحت ضغط الإملاءات.

هنا تحديداً، يبدأ جوهر القصة.

ما يجري في إسلام آباد ليس حواراً بين طرفين يبحثان عن تسوية، بل مواجهة سياسية بوسائل دبلوماسية. كل طرف يجلس إلى الطاولة وهو يحمل في جيبه حسابات الحرب، لا أوراق السلام. الملفات المطروحة ليست قابلة للحل السريع: برنامج نووي معقد، عقوبات خانقة، نفوذ إقليمي متشعب ( ملف حزب الله )، وممرات طاقة تختصر اقتصاد العالم بأسره.

أما اختيار باكستان كوسيط، فهو في حد ذاته رسالة متعددة الاتجاهات. فالدور الذي طالما احتكرته عواصم مثل مسقط والدوحة لم يعد حكراً ، والنظام الإقليمي يشهد إعادة توزيع هادئة للأدوار، حيث يسعى كل لاعب إلى تثبيت موقعه في معادلة تتغير بسرعة.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يجب الانتباه إليه هو أن هذه المفاوضات لا تُدار من موقع الثقة، بل من منطق الضرورة. فالذاكرة لا تزال مثقلة بتجربة الاتفاق النووي الإيراني 2015، الذي وُلد بصعوبة ثم انهار بسهولة، ليترك خلفه مزيداً من الشكوك، وأقل قدر من الثقة والرعاية القطرية والعُمانية .

بعبارة أكثر صراحة:
نحن لا نشهد بداية سلام، بل محاولة لتفادي انفجار.

واشنطن تريد تبريد الجبهات دون أن تدفع ثمناً استراتيجياً كبيراً ، وطهران تسعى لكسر العزلة دون أن تتخلى عن أوراق قوتها. وبين هذين الهدفين، تمتد مساحة رمادية قد تنتج اتفاقاً مؤقتاً، أو تنتهي إلى جولة تصعيد أكثر عنفاً وشراسة .

التاريخ يعلمنا أن مثل هذه اللحظات لا تُحسم على الطاولة وحدها، بل في ميزان القوة خارجها. وإذا لم تتغير قواعد اللعبة، فإن أي تفاهم لن يكون أكثر من هدنة قصيرة في صراع طويل لإعادة تلقيم أجواف القاذفات .

الخلاصة التي لا يحب أحد سماعها:
إسلام آباد لا تصنع السلام اليوم… بل تؤجل الحرب.
تصميم و تطوير : VERTEX WEB SOLUTIONS