لسنا كلاباً… بل مواطنون نحرس الوطن بالكرامة
صوت الحق -
بقلم د. نعيم الملكاوي /
كاتب ومحلل سياسي
في مقاله الصادم "كلب ابن كلب”، اختار الدكتور فلاح العريني لغة حادة ومباشرة، أراد منها أن يهزّ القارئ من الداخل، وأن يضعه أمام مرآة قاسية تعكس حجم الفساد والمحسوبية والرواتب الفلكية، وحجم الصمت الشعبي الذي سمح لهذا المشهد أن يستمر ويتغول.
لا شك أن المقال أصاب في كثير من مفاصله، وكان جريئاً في تشخيص الألم الأردني المزمن؛ من حقوق أصبحت تُقدَّم وكأنها مِنّة، إلى وظائف تُوزَّع بالواسطة، إلى مناصب تُمنح لأبناء المسؤولين، فيما يبقى المواطن العادي يدفع ثمن الفساد من عمره وكرامته ومستقبل أبنائه.
وللدكتور العريني كل التقدير على جرأته في فتح هذا الملف، لأن بعض الأوطان حين يشتد بها المرض لا تحتاج إلى مجاملة، بل إلى صدمة توقظ الغافلين، وتفضح المستور، وتعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة.
لكنني، مع كامل الاحترام، أختلف معه في استعارة "الكلب” كرمزية للمواطن الذي يجب أن "ينبح” في وجه الفساد.
ليس لأن الكلب لا يملك صفات الوفاء والإخلاص، بل لأن التجربة السياسية والاجتماعية أثبتت أن كثيراً ممن نبحوا يوماً ، سكتوا سريعاً عندما ألقيت لهم اول عظمة .
لقد رأينا بعض من هتفوا على الدوار الثامن، ومن وقفوا فوق ظهور البكمات، يهتفون ضد النهج، ويطالبون بالإصلاح، ويرفعون شعارات محاسبة الفاسدين وتغيير قواعد اللعبة. كانوا يبدون وكأنهم صوت الشعب الحقيقي، وحراس الحلم الوطني وحماة الانتماء ونبض الشارع .
لكن، وما إن فُتحت لهم أبواب الوظائف، وما إن جاءت التعيينات والمكاسب والمناصب، حتى تبدّل المشهد بالكامل؛ خفت الصوت، واختفى الغضب، وتحول كثير من الثوار والهتيفة إلى جزء من المنظومة التي كانوا يهاجمونها.
عندها أدركنا أن النباح وحده لا يصنع موقفاً ، وأن رفع الصوت لا يعني دائماً صدق القضية، لأن بعض الصراخ يمكن شراؤه، وبعض الغضب موسمي، ينتهي عند أول عظمة .
نحن ( نيابة عن إبنك إبن الوطن ) لم نُخلق كلاباً حتى نُطالب بالنباح، بل خُلقنا بشراً، مكرمين بالعقل والكرامة والضمير .
نحن نعبر عن رأينا بكل جرءة بالكلمة الحرة ، بالموقف الصادق ، بالثبات على المبدأ، لا بالصراخ الذي يُباع، ولا بالغضب الذي يُؤجَّر، ولا بالولاءات التي تتبدل مع حجم الامتيازات والغنائم .
الوطن لا يحتاج إلى كلاب تحرسه، بل إلى رجال ونساء لا تُشترى ذممهم، ولا تُرهن مواقفهم، ولا تتحول مبادئهم إلى أوراق تفاوض على طاولة المصالح وموائد الصفقات ،
بل نحتاج إلى مواطن يقول "لا” وهو يعرف ثمنها، ويتمسك بها مهما ارتفع الثمن.
نحتاج إلى ضمير حيّ، لا إلى نباح عابر.
نحتاج إلى إنسان لا يبيع صوته، ولا يستبدل كرامته بوظيفة، ولا يحوّل غضبه إلى وسيلة للترقي الشخصي.
نعم، يجب أن نواجه الفساد، وأن نفضح المحسوبية، وأن نرفض تحويل الدولة إلى مزرعة خاصة للمتنفذين، لكن ليس لأننا "كلاب أبناء كلاب" ، بل لأننا بشر نعرف معنى الكرامة، ونؤمن أن الأوطان لا يحرسها النباح… بل يحرسها الشرف.
نحن لا نحتاج إلى مزيداً من الصراخ والنباح ، بل مزيداً من المواطنة المسؤولة … لان الكلمة قد تبني وطناً ، وقد تهدم أوطان .






