صوت الحق : - لا يمكن التعامل مع جريمة بلدة حمود في محافظة الكرك، وما شهدته العاصمة عمّان اليوم من اعتداء استهدف أحد مرتبات الأمن العام أمام إحدى السفارات، باعتبارهما حادثتين منفصلتين تنتهيان عند حدود بيانات الإدانة والاستنكار، فخطورة هذه الوقائع تفرض قراءة قانونية ومؤسسية أوسع لمنظومة مكافحة الإرهاب، ومدى قدرتها على مواجهة مختلف أنماط الجرائم الإرهابية والحد من مخاطر تكرارها.
فالأردن يمتلك تشريعات تتضمن عقوبات مشددة تصل في بعض الجرائم الإرهابية إلى الإعدام، الأمر الذي يجعل المراجعة المطلوبة أوسع من مجرد المطالبة برفع سقف العقوبات؛ إذ تقتضي الوقوف على مدى كفاية النصوص القانونية، وشمولها لمختلف صور الجرائم، ومدى فاعلية التدابير الوقائية وآليات تطبيق القانون ومتابعة الحالات التي تشكل خطراً على أمن المجتمع.
ومن هنا، تبرز أهمية مراجعة التشريعات الناظمة لجرائم الإرهاب، بما يضمن سد أي ثغرات قانونية، وتحقيق التناسب بين طبيعة الفعل الجرمي وخطورته والعقوبة المقررة له، مع التمييز بين الأدوار والمسؤوليات الجنائية للمشاركين في هذه الجرائم، وعدم الاكتفاء بمعالجة النتائج بعد وقوع الاعتداء.
كما أن المواجهة القانونية لا ينبغي أن تقتصر على العقوبة اللاحقة، بل يجب أن تمتد إلى منظومة متكاملة تشمل الوقاية والتأهيل وإعادة الإدماج، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية والقضائية والإصلاحية والتربوية والاجتماعية، بما يضمن التعامل المبكر مع مؤشرات التطرف والعنف، وفق أحكام القانون وضماناته.
وتكتسب هذه المراجعة أهمية إضافية عندما تتصل الجرائم بالاعتداء على رجال الأمن أثناء تأدية واجبهم، أو استهداف دور العبادة، أو محاولة بث الفتنة وتهديد السلم الأهلي؛ فهذه الأفعال لا تمس الضحايا المباشرين فحسب، بل قد تتجاوز آثارها إلى أمن المجتمع واستقرار الدولة ومؤسساتها.
وفي ظل التطورات الإقليمية وما تشهده المنطقة من اضطرابات، تبرز ضرورة تحصين الجبهة الداخلية، والتعامل مع أي محاولات لاستغلال التوترات أو إثارة الانقسامات المجتمعية وفق مقاربة قانونية ومؤسسية واضحة، تقوم على حماية الوحدة الوطنية وصون الحقوق والحريات، دون تساهل مع أي فعل يهدد أمن الأردنيين وسلامتهم.
إن الوحدة الوطنية ليست مجرد شعار، بل ركيزة دستورية ومجتمعية في استقرار الدولة، وحمايتها تتطلب تطبيق القانون على الجميع، ومواجهة خطاب التحريض والكراهية والأفعال التي تستهدف السلم الأهلي، ضمن حدود المسؤولية القانونية وضمانات العدالة.
وعليه، فإن المطلوب اليوم ليس إصدار أحكام عامة بضرورة تشديد العقوبات، بقدر ما هو مراجعة شاملة وموضوعية لمنظومة مكافحة الإرهاب، تشمل النصوص القانونية، وآليات الوقاية والملاحقة والمساءلة، ومدى فاعلية العقوبات في تحقيق الردع، مع ضمان تناسبها مع خطورة الأفعال المرتكبة وصون الحق في محاكمة عادلة.
فما شهدته حمود وما جرى في عمّان يجب أن يشكلا مناسبة لمراجعة جادة لا تقتصر على معالجة كل حادثة بمعزل عن الأخرى، بل تنطلق من مسؤولية الدولة في تطوير أدواتها التشريعية والمؤسسية، وترسيخ سيادة القانون، وحماية المجتمع من مختلف أشكال الإرهاب والتطرف.





