حروب النفوذ… حين يتحارب الخصوم ليتقاسموا الغنائم على حساب المنطقة

{title}
صوت الحق -

بقلم د. نعيم الملكاوي
كاتب ومحلل سياسي

لنكن أكثر صراحة: ما يجري في المنطقة ليس صراعاً من أجل الحسم، بل صراع من أجل تنظيم وتقاسم الأرباح. الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يخوضون حرباً لكسر بعضهم، بل لإعادة توزيع النفوذ بطريقة لا تُسقط أحداً… وتُبقي الجميع في اللعبة.

خذ مثال اغتيال قاسم سليماني. ضربة قيل إنها ستقلب موازين القوى. ماذا حدث؟ 
واشنطن عززت حضورها العسكري، وطهران عززت خطابها التعبوي ونفوذها غير المباشر. النتيجة: لا غالب ولا مغلوب… بل معادلة أكثر رسوخاً.
وفضح الأمر خطاب الرئيس الأمريكي الذي قال فيه ان الإيرانيين اتصلوا به وطلبوا منه الإذن بضرب قاعدة سبايكر في العراق لحفظ ماء الوجه على اغتيال سليماني . 

وفي المواجهات المباشرة الأخيرة بين إسرائيل وإيران، لم يكن الهدف تدمير الخصم، بل رسم حدود الاشتباك: ضربات دقيقة، ردود محسوبة، وسقف لا يُكسر. إسرائيل تحتاج "تهديداً إيرانياً دائماً” لتبرير تفوقها العسكري ومبرراً قوياً لأي عدوان تقوم به على دول المنطقة ، وإيران تحتاج "عدواً أمريكياً-إسرائيلياً” لتبرير تمددها. عداوة ضرورية… وليست عداوة قاتلة.

لكن الحقيقة الأكثر فجاجة تظهر في ساحات النفوذ:

في العراق، تتجاور القواعد الأمريكية مع نفوذ إيران السياسي والعسكري. من يسيطر؟ 
الإجابة الصادمة: الاثنان. صراع في الإعلام… وتعايش في الواقع. العراق ليس ساحة مواجهة فقط، بل نموذج حي لتقاسم النفوذ تحت الطاولة.

في لبنان، يقف حزب الله كحارس توازن مرعب: لا حرب شاملة مع إسرائيل، ولا دولة قادرة على النهوض. وجوده يخدم إيران كورقة ضغط، ويخدم إسرائيل كذريعة دائمة للتفوق العسكري. دولة معلّقة… لأن الصراع لا يريد لها أن تستقر.

أما في الخليج، فالقصة تُدار بالخوف. التهديد الإيراني لـ مضيق هرمز لا يحتاج أن يتحقق، يكفي أن يبقى احتمالاً قائماً. مجرد التلويح بإغلاق الشريان النفطي للعالم كفيل برفع الأسعار، وتعزيز الوجود العسكري الأمريكي، وفتح خزائن صفقات السلاح. الخوف هنا ليس نتيجة… بل أداة استثمار.

وفي اليمن والبحر الأحمر، تتجلى اللعبة بأوضح صورها. هجمات الحوثيين على الملاحة الدولية تعطي إيران ورقة ضغط استراتيجية، لكنها في الوقت ذاته تمنح الولايات المتحدة مبرراً لإعادة الانتشار العسكري وتأمين الممرات البحرية. التصعيد يهدد التجارة العالمية… لكنه أيضاً يعيد تثبيت خرائط السيطرة البحرية. 


اما ما يحدث في الوساطة الباكستانية وعمليات الشد والإرخاء ، التصعيد و التراجع واوراق ومقترحات منها المعلن وكثيرها غير المعلن يدفع بالمحلل للأحداث على افتراض فرضيات تليق بحجم الحدث . 

من يخسر؟ 
الاقتصاد الإقليمي. 
من يربح؟ 
من يفرض نفسه حامياً له.

إسرائيل، في قلب هذا المشهد، تتحرك بذكاء بارد. من "اتفاقيات أبراهام” إلى التنسيق الأمني، نجحت في تحويل الخوف من إيران إلى جسر عبور نحو العمق العربي. لم تعد تبحث عن اعتراف… بل عن دور قيادي في "أمن المنطقة”.

وفي الخلفية، تواصل الصين شراء النفط الإيراني بصمت، مستفيدة من العقوبات بدل أن تتضرر منها، بينما تستغل روسيا انشغال الغرب لتخفيف الضغط عنها في حرب أوكرانيا. أما أوروبا، فتبدو كمن يحاول اللحاق بلعبة أكبر منه.

وسط كل ذلك، يبقى المشروع التركي هدفاً لمحاولات الاحتواء من الجميع، لأن أي قوة إقليمية مستقلة تُربك هذه المعادلة القائمة على تقاسم النفوذ.

النتيجة التي لا يريد أحد قولها بصوت عالٍ:
هذه ليست حرباً لكسر الخصوم… 
بل نظام غير معلن لإدارة الصراع بينهم. كل طرف يضرب، لكن دون أن يُنهي الآخر. لماذا؟ 
لأن النهاية تعني خسارة المبرر، وخسارة المبرر تعني خسارة النفوذ.

إنها معادلة قاسية:
خصوم في العلن… شركاء في النتائج.

أما هذه المنطقة، فهي ليست سوى ساحة تُستنزف، وتخاف، وتُعاد صياغتها، دون أن تُمنح حق القرار ، على الرغم موقف دول الخليج التي استهدفت وعقلنتها لإدارة الأحداث دون الانخراط المباشر بها .

السؤال لم يعد: من الأقوى؟
بل: إلى متى سنبقى نحن الوقود في حروب لا تنتهي… لأنها ببساطة لا تريد أن تنتهي؟
تصميم و تطوير : VERTEX WEB SOLUTIONS