صوت الحق : - كشفت أربعة مصادر مطلعة أن مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) طلبوا خلال الأسابيع القليلة الماضية من عدة دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وفي مقدمتها دول البلطيق (ليتوانيا، ولاتفيا، وإستونيا)، تخفيف حدة خطابهم العلني بشأن التهديد الروسي، محذرين من أن بعض التصريحات الصادرة عن القادة الأوروبيين تضر بأمن القارة وتستفز موسكو دون طائل.
وأفادت المصادر بأن رئيس شؤون السياسات في البنتاغون، إلبريدج كولبي — وهو شخصية محورية تشرف حالياً على مراجعة شاملة لتقييم مستويات نشر القوات الأميركية في أوروبا — كان من بين أبرز المسؤولين الذين نقلوا هذه الرسائل في لقاءات ثنائية مغلقة. ووفقاً لمصدر مطلع، اعتبر كولبي أن تصريحات بعض القادة الأوروبيين بوصف روسيا بأنها أصبحت "محاصرة كالفأر" (في إشارة غير مباشرة لتصريح رئيس وزراء إستونيا كريستين ميهال) تمثل خطاباً تصعيدياً لا جدوى منه، داعياً الوفود الأوروبية إلى أن تكون "متزنة" وتتجنب إثارة الضجيج في وقت توفر فيه واشنطن الحماية العسكرية لهم.
انقسام داخل "الناتو" ومخاوف استخباراتية
وفجّرت النصيحة الأميركية حالة من الذهول والجدل في الأوساط الأوروبية؛ إذ تعكس انقساماً عميقاً داخل حلف شمال الأطلسي حول كيفية إدارة المواجهة مع موسكو. فبينما يرى تيار في واشنطن أن المبالغة في تصوير الخطر الروسي تخدم أجندة الكرملين في بث الذعر وتقويض الدعم الشعبي لكييف، تتمسك عواصم أوروبية بضرورة مصارحة شعوبها بحقيقة الخطر الروسي لتبرير زيادة الإنفاق الدفاعي وتقديم التضحيات اللازمة، لا سيما في ظل تصاعد حملات التخريب السرية التي تنفذها موسكو ضد بنى تحتية في أوروبا، والتي كان آخرها توقيف مشتبه بهما في ألمانيا بتهم التخطيط لهجمات حرق في نورمبرغ، والاشتباه بهجوم مسيّرة على مطار لايبزيج.
دبلوماسية التنازلات ومراجعة الوجود العسكري
وتتزامن هذه الضغوط الأميركية مع مساعي إدارة الرئيس دونالد ترامب لإعادة إحياء مسار التفاوض لإنهاء حرب أوكرانيا التي دخلت عامها الخامس؛ وهي مساعٍ تقوم على معادلة تجمع بين تقديم حوافز اقتصادية لموسكو، وبحث صفقات تجارية محتملة معها، وتخفيف بعض العقوبات، مقابل ممارسة ضغوط على كييف لوقف ضرباتها ضد منشآت الطاقة الروسية — وهو توجه يلقى معارضة واسعة من قادة أوروبيين يصرون على تشديد العزلة على نظام فلاديمير بوتين.
وتأتي هذه التطورات بالتوازي مع إعادة تقييم يجريها البنتاغون لتموضع قواته، والتي قد تسفر عن خفض حاد في الوجود العسكري الأميركي بالقارة العجوز، في ظل إصرار واشنطن على ضرورة تحمل الحلفاء الأوروبيين العبء الأكبر من مهام الدفاع، لتتيح للولايات المتحدة إعادة توجيه مواردها العسكرية نحو بؤر التوتر الساخنة في الشرق الأوسط، وشرق آسيا، وأميركا اللاتينية.





