صوت الحق : - بين أزقة دمشق وشوارعها الحيوية، لم تعد المشاهد اليومية لحركة النقل كما ألفها السوريون لعقود؛ فطوابير المحروقات الطويلة وأصوات المحركات المتهالكة بدأت تفسح المجال تدريجياً لمركبات صامتة بيضاء اللون، تحمل في صدارتها لوحات الأجرة وتعمل كلياً بالطاقة الكهربائية. هذا التحول ليس ترفاً تقنياً، بل خطوة ملاذ اضطراري يقودها سائقو الأجرة كطوق نجاة أخير من فخ التضخم، وغلاء المحروقات، وشح الوقود الرديء.
حسابات الربح والخسارة: فارق الـ 20 دولاراً
يقود محمّد كنعان (42 عاماً) سيارته الكهربائية الصينية بارتياح واضح بعدما تخلص من سيارته القديمة التي استنزفت مداخيله. لغة الأرقام تحسم قراره بوضوح: قطع مسافة 200 كيلومتر بالبنزين كان يكلّفه نحو 26 دولاراً، في حين تهبط التكلفة إلى 6 دولارات فقط لشحن بطارية سيارته الجديدة من نقطة شحن منزلية شيدها خصيصاً لهذه الغاية.
هذا الفارق اليومي البالغ 20 دولاراً يمثل طوق نجاة لسائقي الأجرة في بلد يعيش السواد الأعظم من سكانه تحت خط الفقر؛ إذ تحول السائقون من العمل لتغطية تكاليف التشغيل فقط، إلى القدرة على تحقيق هامش ربح يعيل عائلاتهم.
أزمة وقود مزمنة و"بنزين مغشوش" يعجلان بالوداع
تسارع وتيرة هذا التحول جاء بعد صدمات متتالية شهدها قطاع المحروقات؛ ففي أيلول الماضي، رفعت الحكومة السورية أسعار البنزين بنحو 26% على وقع تداعيات الصراع الإقليمي، ما فجّر موجة احتجاجات واسعة. ولم يقتصر الأمر على الغلاء؛ بل تفاقمت الأزمة مؤخراً بدخول شحنات بنزين "غير مطابقة للمواصفات"، تسببت بأعطال ميكانيكية كارثية لمئات السيارات، وهي واقعة أقرت بها وزارة الطاقة لاحقاً ووصفتها بـ"خطأ تشغيلي" متعهدة بالمحاسبة والتعويض، ما أفقد السائقين الثقة في الوقود التقليدي وعجّل بقرار التحول للكهرباء.
تلاشي قيود الاستيراد وتفوق سعري لصالح "الصيني"
هذا المشهد ما كان ليرى النور لولا التحول الجذري في السياسات الجمركية؛ فبعد عقود من القيود والرسوم الباهظة في عهد الحكم السابق — والتي جعلت السيارات الحديثة نادرة الوجود — فتحت السلطات الجديدة أواخر عام 2024 الباب أمام حركة الاستيراد بخفض الرسوم وتسهيل الإجراءات، ليدخل نحو 100 ألف سيارة إلى البلاد في غضون خمسة أشهر فقط، قبل أن تتدخل وزارة النقل لاحقاً لكبح استيراد السيارات المستعملة تفادياً لآثارها السلبية على البنية التحتية.
وفي المعارض، أثبتت المركبات الكهربائية الصينية تفوقها الاقتصادي المزدوج (سعراً وتشغيلاً). ويوضح حمزة سكر (25 عاماً)، صاحب صالة عرض متخصصة، أن الطلب قفز بصورة لافتة منذ ثمانية أشهر، مشيراً إلى أن معادلة البيع باتت تميل للكهرباء بواقع 4 سيارات كهربائية مقابل سيارة بنزين واحدة، مدعومة بفارق السعر عند الشراء؛ إذ تبدأ أسعار الطرازات الكهربائية من 9 آلاف دولار، مقارنة بنحو 12 ألف دولار لأقل سيارة بنزين جديدة كلفةً.
تطبيقات النقل الذكية تلتقط الإشارة.. والتحديات قائمة
التحول لم يعد مبادرات فردية بل امتد للشركات الكبرى؛ إذ كشف رامي الحمد، مدير التشغيل في تطبيق "يلا غو!" (YallaGo!) الرائد لسيارات الأجرة بدمشق وريفها، عن قفزة بنسبة 20% في أسطول السيارات الكهربائية المنضمة للتطبيق مؤخراً، مؤكداً أن تقلص نفقات التشغيل منح السائقين استقراراً مالياً غير مسبوق، وانعكس إيجاباً على جودة الرحلة ورضا الركاب، كما يلخص السائق أحمد اللحام المشهد: "الزبون يسعد بسيارة حديثة ونظيفة، وأنا أسعد بإنفاق أقل.. والجميع رابحون".
ورغم هذه الطفرة، يبقى الطريق محفوفاً بالعقبات؛ فقدرة معظم السوريين على تأمين مبالغ الشراء لا تزال محدودة للغاية في ظل الركود الاقتصادي ومساعي إعادة الإعمار، فضلاً عن تحديات تأمين قطع الغيار والصيانة المتخصصة، والأهم: معضلة شحن البطاريات في ظل شبكة كهرباء عامة تعاني من الانقطاعات المتكررة والأعطال المزمنة، ما يجعل الحفاظ على زخم هذا الانتقال الأخضر مرهوناً بتعافي البنية التحتية للطاقة في البلاد.





